حسين الدليم
تتحدث الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) عن بشائر عظيمة ينالها المؤمنون الموالون لهم، وهي بشائر تطيب النفوس وتشرح الصدور وتنور القلوب، ومن أهم هذه البشائر ما يرتبط بلحظات خروج الإنسان من الدنيا وما بعدها، حيث تشير الروايات إلى حضور أهل البيت عليهم السلام في مواطن معينة من حياة الإنسان بعد الموت، وهو ما يُعد من ثمرات الولاية لهم والمحبة الصادقة لهم.
مفهوم المحتضر في الروايات
ورد عن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله أنه قال إن محبيه يفرحون في ثلاثة مواطن: عند خروج أنفسهم من الدنيا، وعند المساءلة في القبور، وعند العرض على الله تعالى. وتشير هذه الرواية إلى حضور النبي وأهل بيته عليهم السلام في تلك المواطن، حيث يشهدون المؤمن ويعرفونه ويكون لهم دور في تبشيره وطمأنته.
ومن هنا برز في معارف أهل البيت عليهم السلام مصطلح المحتضر، وهو مصطلح عقائدي يشير إلى حضور الأئمة المعصومين عليهم السلام عند المحتضر، أي عند الإنسان في لحظة خروج الروح. ففي تلك اللحظة يحضر أهل البيت عليهم السلام للمؤمن فيراهم، كما يحضرون في القبر عند المساءلة، ويحضرون كذلك يوم القيامة عند العرض على الله تعالى.
وتذكر الروايات أن لهذا الحضور أهدافًا متعددة، من أهمها تبشير المؤمن بالجنة، ووصية ملك الموت بالتخفيف عنه عند خروج روحه، إضافة إلى شفاعتهم له يوم القيامة عند العرض على الله تعالى.
وقد وردت هذه الفكرة في روايات كثيرة ومتعددة حتى عدّها العلماء من المعارف المشهورة في تراث أهل البيت عليهم السلام. وقد صرّح الحر العاملي، صاحب كتاب وسائل الشيعة، بأن الأحاديث الواردة في هذا الباب أكثر من أن تُحصى، وأنها متواترة ودلالتها قطعية. كما أشار الشيخ المجلسي إلى أن هذه المسألة مشتهرة بين الشيعة غاية الاشتهار.
ولم تقتصر الإشارة إلى هذه الفكرة على علماء الشيعة، بل إن بعض علماء أهل السنة ذكرها كذلك، ومنهم ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة، حيث أقرّ بحضور أمير المؤمنين عليه السلام عند الاحتضار.
وقد ألّف العلماء كتبًا خاصة في هذا الموضوع، منها كتاب المحتضر للشيخ حسن بن سليمان الحلي، وهو من الكتب المعروفة في هذا الباب، وكذلك ما ذكره الشيخ الأميني في كتابه علي من حبه عنوان الصحيفة، وفي هذه المؤلفات عرض واسع للروايات المتعلقة بهذا المفهوم.
أهمية المعرفة والرجوع إلى الكتب
إن وجود هذه المعارف في الروايات والكتب يدل على أهمية الرجوع إلى المصادر العلمية وقراءة التراث. فقد أكد الأئمة عليهم السلام على حفظ الكتب والرجوع إليها، لأن العلم مفتاحه القراءة. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: «احفظوا كتبكم، فإنكم سوف تحتاجون إليها».
ولهذا فإن الاطلاع على هذه الكتب والمعارف يزيد المؤمن معرفة بولاية أهل البيت عليهم السلام ويعمّق علاقته بهم.
كيفية حضور الأئمة عند المحتضر
أما مسألة كيفية حضور الأئمة عليهم السلام عند المحتضر فهي من المسائل التي ناقشها العلماء، وقد بيّن الشيخ المجلسي أن الواجب على المؤمن هو الاعتقاد بأصل حضورهم، أما كيفية هذا الحضور فليست من الأمور الواجبة الاعتقاد، بل هي من مسائل التفصيل وزيادة المعرفة.
وقد طُرحت عدة نظريات في تفسير كيفية هذا الحضور، ومن أبرزها نظريتان:
نظرية المثول
وهي النظرية التي ذهب إليها كثير من علماء الشيعة قديمًا وحديثًا. ومفادها أن الأئمة عليهم السلام يحضرون عند المحتضر بأشخاصهم وأعيانهم.
ومن الروايات التي استدل بها أصحاب هذه النظرية ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال:
«والذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يرى ملك الموت، ويراني، ويرى عليًا وفاطمة والحسن والحسين».
كما ورد في رواية مسمع بن عبد الملك عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال له:
«أما إنك سترى عند موتك حضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة».
وتشير هذه الروايات إلى أن المؤمن عند احتضاره يرى النبي وأهل بيته عليهم السلام، ويكون حضورهم سببًا في طمأنته وبشارته، كما يوصون ملك الموت بالتخفيف عنه.
كما تبيّن الروايات أن خروج روح المؤمن يكون ميسرًا، حتى شبّه في بعضها بأنه كخروج الإنسان من زحام يسير، في إشارة إلى التخفيف الذي يناله المؤمن ببركة ولايته لأهل البيت عليهم السلام.
نظرية الصور المشابهة
أما النظرية الثانية فهي ما يُعرف بنظرية الصور المشابهة، وقد طرحها بعض العلماء. وهي تقرّ بأصل حضور أهل البيت عليهم السلام، لكنها تفسّر الحضور تفسيرًا آخر، إذ ترى أن المقصود بالحضور هو رؤية المؤمن لثمار ولايته لهم وبركات محبتهم، وليس رؤية أشخاصهم بأجسادهم.
وبحسب هذا الرأي فإن الإنسان عند الموت يرى ثمار أعماله، كما يرى في الآخرة نتائج عمله في الدنيا، لقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره. فالمقصود بالحضور ـ وفق هذا التفسير ـ ظهور آثار ولايتهم وبركاتها في تلك اللحظة.
وقد استند أصحاب هذا الرأي إلى إشكال عقلي، وهو أن الجسم المادي لا يمكن أن يكون في أماكن متعددة في وقت واحد، بينما قد يموت عدد كبير من المؤمنين في وقت واحد، فكيف يحضر الأئمة عندهم جميعًا بأجسامهم؟
الجواب عن الإشكال العقلي
أجاب بعض العلماء عن هذا الإشكال بجواب ذكره الملا محسن الفيض الكاشاني في كتاب علم اليقين، حيث بيّن أن الحضور ليس بالجسم الدنيوي المادي، بل بالجسم البرزخي.
فالجسم البرزخي يختلف في أحكامه عن الجسم المادي، ويمكن أن يكون حاضرًا في أكثر من مكان في وقت واحد، لأنه جسم لطيف لا تمنعه المادة من التعدد في الأمكنة.
وقد قُرّب هذا المعنى بمثال عالم الرؤيا، حيث قد يرى أكثر من شخص إنسانًا واحدًا في المنام في أماكن مختلفة في الوقت نفسه، لأن الظهور هناك يكون بصور مثالية لا بأجسام مادية.
شواهد من الروايات
توجد في الروايات شواهد تؤيد هذا المعنى، منها ما ورد عن امرأة مؤمنة تُعرف باسم شَطيطة في زمن الإمام موسى الكاظم عليه السلام. فقد توفيت في بلد، بينما كان الإمام في بلد آخر، ومع ذلك شوهد الإمام حاضرًا في تشييع جنازتها. وعندما سُئل عن ذلك قال إن أهل البيت عليهم السلام يحضرون جنائز شيعتهم أينما كانوا.
كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:
«من زارني زرته عند موته، وعند تطاير الكتب، وعند الميزان، وعلى الصراط».
وهذه الروايات تشير إلى حضور الأئمة عليهم السلام في مواطن متعددة لمساندة شيعتهم والوقوف إلى جانبهم.
إن ولاية أهل البيت عليهم السلام تعد من أعظم النعم التي ينالها المؤمن، وهي سبب لنيل هذه البشائر والكرامات في لحظات الإنسان المصيرية. ولذلك كان التأكيد في الروايات على التمسك بولايتهم والتي وعدت بها الروايات.
جاء هذا النص ضمن محاضرة سماحة الشيخ عبدالرؤوف القرقوش، التي أُلقيت في حسينية بوحليقة ليلة 21 من شهر رمضان المبارك 1447 هـ، إحياءً لذكرى شهادة الإمام علي عليه السلام.

